بابور للحراقة في عيد الاستقلال

كتبهابلاد تلمسان ، في 3 يوليو 2009 الساعة: 15:37 م

5juilماذا سنقول لملايين الشباب في عيد الاستقلال ؟ هل نعد لهم إنجازات 46 سنة من الاستقلال أم مسار المراجعات والتراجع عن قيم نوفمبر وبيانه ؟ في كل مناسبة وطنية يكثر الحديث عن التاريخ وعلى أهميته لازال تاريخنا رهينة مواقف شخصية من طرف بعض الذين شاركوا ذات يوم في صناعة بعض فصوله ، جزء من ذاكرتنا يرفض شهودها البوح عن أسرارها والجزء الآخر أسير حرب لدى مستعمر الأمس وفي إسقاط الماضي على الحاضر تكبر المأساة وكأننا تجدد صراعات الماضي الذي سيظل أسير نظرة خاصة جد ضيقة وحسابات خاسرة ونتيجة هذا المنطق بدا جيل ما بعد الاستقلال غير مقتنع مرة وغير مؤمن مرة أخرى .8455

قبل أن نولج إلى صلب الموضوع بودي أن أقول إن لا أحد يمكنه أن يكون أكثر وطنية وحبا لوطنه من الآخر والفيصل في هذا هو الأفعال والمواقف وليس العبارات الرنانة .لقد عشنا عشرية من التكفير الديني تماما كما عشنا عشريات من التكفير “الوطني” كانت تقاس فيها درجة الولاء للوطن بالولاء للشخص وفكره.

اليوم تغيرت الأوضاع السياسية والاجتماعية داخليا وخارجيا، إقليميا ودوليا تماما مثلما تغيرت المفاهيم والقيم والذهنيات والأولويات .

قبل أيام قليلة أشرف نائب من المجلس الشعبي الوطني على تنظيم ملتقى جهوي حول الهجرة السرية في تلك الأثناء كنت أستمع إلى ما يدور بين بعض الشباب في غرف الدردشة وكان شباب الدزاير يتحدث عن “الخرطي السياسي” وعن الفساد والحقرة التي أنتجت الحرقة وعن مواضيع لا يمكن أن نسمع بتفاصيلها إلا في هذه الفضاءات الحرة العابرة للقارات والحدود . لن نحتاج إلى اقل من دخول غرف الدردشة في الفيس بوك أو غيره لنعرف حقيقتنا عارية مجردة، عندما تمنيت لو أن النائب بن حمو ربط غرف الدردشة بالملتقى الذي أشرف على تنظيمه ليستمع إلى الأسباب الحقيقية دون تزويق ولا تنميق . اليوم وبعد قرابة نصف قرن من الاستقلال نبحث في ما كان مستحيلا توقعه، الهروب من الوطن ؟ الهروب من الذات ؟

أعتقد أن مئات بل آلاف الشباب من الذين ركبوا قوارب الموت وأبحروا إنما فعلوا ذلك هروبا من واقعنا وليس من الوطن ، هروبا من الحقيقة المغيبة عنا ، هروبا من النفاق السياسي الذي يحكم ساحة البلد ، هروبا من واقع اجتماعي لا يمكن التعامل معه وفق قواعد واضحة ومحددة يحتكم إليها الجميع بل وفق آليات صنعتها تحالفات ظرفية ترى في الطرف الآخر رقما مجردا من الحسابات يمكن الاستعانة به لتزيين الواجهة ودون ذلك يبقى رقما مهملا .

الذين ركبوا قوارب الموت وفضلوا الحوت على البقاء في الوطن يعكسون ظاهرة خطيرة للغاية تضرب بكل أحلام الذين كانوا يرون في جزائر ما بعد الاستقلال وفاء  لتضحياتهم وتحقيقا لآمالهم ، هل كان جيل الثورة يتصور مثلا إمكانية وصولنا على مستوى يتخلى فيه الشباب عن انتمائه مقابل العيش في أروبا ؟ بل الأخطر أن البعض من هؤلاء يتخلون عن دينهم الإسلامي  لصالح المسيحية مقابل وعود بالسفر والعيش في فرنسا أو إيطاليا …

لماذا لا نسأل بل لماذا لا نجيب على هذه الظواهر الخطيرة بقرارات صريحة وجريئة تجسد توجها أكثر شفافية وانفتاحا وعدالة ، لا أعتقد بوجود واحد في هذا البلد يجهل أسباب ما آلت إليه حالة الشباب ، اليوم نحن لا نبني أجيالا بل ننمي اليأس والاستقالة من الوطن نتيجة سياسة الانغلاق على هذه الفئة الهامة من المجتمع .

وإذا كان البعض يوزع الأعلام الوطنية في ذكرى عيد الاستقلال على بيوت الجزائريين  فان البعض الآخر يحرق هذا الحلم ويمعن  في توزيع الشعور بالغربة في الوطن بل وتنمية مشاعر الرغبة في الفرار ، في الهروب، في ركوب الخطر ومواجهة الموت من أجل الوصول إلى الضفة الأخرى تلك الضفة التي طاردنا أصحابها ليعودوا إليها . هل سألنا يوما ما عن السحر الذي جذب الفرنسيين ذات يوم لبلادنا؟ أي سحر هذا الذي جعل الفرنسيين والاسبان وغيرهم يتركون أوطانهم لأجل الاستقرار في الجزائر ثم الخروج مرغمين بعد مواجهات وخسائر فادحة ومعارك وحروب كثيرة؟؟؟؟

لقد عرف أولئك الغزاة  أسرار السحر الكامن تحت التراب وفوقه لكننا نحن أبناء البلد تجاهلناه بل ورمينا بكل ما يمكن أن يشكل نقطة استقطاب لأجيال القادمة ، نقطة جذب ، مرجعية افتخار . كل هذا رمينا به في البحر وربما هو الذي يجذب شبابنا للبحر ، للموت في بطن الحوت بدلا من البقاء في وطن رمينا بسحره في بطن الحوت…

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : الجزائر, مقالات | السمات:,
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك

يجب ان تسجل الدخول لكي تتمكن من التعليق